الرئيسية arrow قضايا أساسية arrow قضايا فكرية arrow أزمة الفكر العربي**‏ Wednesday, 07 September 2005 10:34
 
إصدارات وأنشطة المنتدى

 

مجلس الإدارة

 

آن الأوان لعقد مؤتمر وطني لقوى الإصلاح

 

التقرير السنوي

 للعام 2004

النسخة الإلكترونية

 

النسخة الورقية

_____________

من أنشطة المنتدى

 

لقاء الحقيقة

حول المنتدى

 

ندوة البندقية حول

الأحزاب والإعلام

والإنتخابات

 

ندوة بوكانتيكو

عن

تعليم الديمقراطية

 

ندوة في البرلمان

الإنجليزي عن

حقوق الإنسان

في ليبيا

 

ندوة ليبيا:

نحو مستقبل أفضل

بمناسبة الإعلان

عن تأسيس 

منتدى ليبيا

للتنمية البشرية

والسياسية

 

مواقع تنموية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


  طبع  عنوان الكتروني 
Wednesday, 07 September 2005 03:37

أزمة الفكر العربي‏

د. محمد بالروين

بدون أدنى شك أنّ الفكر العربي يعاني ـ اليوم ـ أزمة: ما هي هذه الأزمة؟ ما هي مظاهرها؟ ما هي أسبابها؟ وكيف يمكن الخروج منها؟‏شديد..‏‎ ‎هذه محاولة للإجابة ـ بإذن الله تعالى ـ على هذه الأسئلة في عجالة.. وباختصار‏

 

أولا: ما هي هذه الأزمة؟

 

لكي يمكن تعريف الأزمة الفكريّة في الوطن العربي لابد أولا أن نتفق على معنى الفكر.. والفكر ـ في ‏تصوري ـ هو: كل محاولات التأمل والتدبر العلمى والراشد التي يقوم بها الإنسان (أو الجماعة) من أجل ‏الوصول إلى الرؤى والمناهج لحل المشاكل التي في طريقه والاستجابة للتحديات التي تواجهه. بناء على هذا ‏التعريف يمكن القول بأنّ الأمة العربيّة تعاني ـ اليوم ـ أزمة غياب الرؤى الواضحة، والمناهج السليمة لحل ‏المشاكل، والتغلب على التحديات التي تواجهها. وهذا ما قصدته بأزمة الفكر في الوطن العربي.. وبتعبير آخر ‏فإنّ هذه الأزمة هي أزمة غياب الإنسان المنهجي، الواعي، القادر، المنتج والمبّدع.. الإنسان الذي يملك حرية ‏الاختيار، وحق المشاركة في اتخاذ القرار.. الإنسان الذي يسعى جاد من أجل النهوض بنفسه وبشعبه وبأمته. ‏

 

أقول أنّ هناك أزمة في الوطن العربي لأن كل اهتمامات العرب اليوم مرتكز على ما أسماه المفكر الإسلامي مالك ‏بن نبي ـ رحمه الله ـ "عالم الأشياء".. والأسوأ من هذا فحتى الأقليّة المهتمة "بعالم الأفكار" تجد أن أفكارها إمّا ‏‏ أنّها أفكار مريضة تنقصها العلميّة والمنهجيّة والموضوعيّة، أو أنّها أفكار ميتة.‏

 

فمن الأفكار المريضة ـعلى سبيل المثال ـ الفكرة الشائعة اليوم عن "تعليم اللغات الأجنبيّة للمواطن"، ففي الوقت ‏الذي يتسابق فيه الكثيرون من النخب العربيّة إلى تعلم وتعليم اللغات الانجليزيّة والفرنسيّة؛ تقف هذه النخب ‏نفسها ـ بمنع أقوام وشعوب غير عربيّة مقيمة في الوطن العربي من تعلم لغاتها ـ كإخوتنا الأمازيغ في شمال ‏أفريقيا والأكراد في المشرق العربي. اليس من الأولى علينا نحن العرب أن نتعلم لغات إخوتنا في وطننا ‏العزيز.. أليس هذا أولى من تعلم لغات أجنبيّة آخرى.. أوليس هذا ما أمرنا به ديننا الحنيف عندما قال: ‏‏"...خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا..." وإن لم نرغب في تعلم لغاتهم أليس من الأجدر ـ على الأقل ـ أن ‏نساعدهم على تعلم لغاتهم والمحافظة على تاريخهم وثقافتهم..‏‎ ‎

 

أمّا عن "الأفكار الميتة" فلعل خير مثال على ذلك هو التشبث المستميت لبعض النخب المثقفة العربيّة بفكرة ‏‏"الوطن العربي".. هذه الفكرة التي ولدت ميتة ـ وفي تصوري ستبقى ميتة ـ وستظل عقبة في طريق النهوض ‏بشعوب المنطقة، فعندما حمل العرب فكرة الإسلام التفت حولهم كل الشعوب والأقوام الأخرى في هذه المنطقة، ‏واتحدت معهم، فتعلمت لغتهم، وأكلت أكلهم، واعتزت بهم : إخوة وأخوات، لا فرق بينهم إلا بالتقوى.. حتى ‏وصل بها الأمر إلى أنّ كان دعاء العجوز الأمازيغيّة في صلاتها " يا رب انصر العرب" وكأن كلمة "العرب" تعني‎ ‎‎"المسلمين".‏

 

ومن هذا الخليط أنجبت الأمة قيادات وعلماء وشعراء وساسة أعتز بهم ويعتز بهم كل المسلمون؛ أمثال القائد ‏صلاح الدين الأيوبي (الكردي)، وعقبة بن نافع (الأمازيغي).. وعلماء كالأمام يحي معمّر أحد علماء الإسلام في ‏ليبيا، والأمام المهدي (ألافريقى) في السودان.. وشعراء كالدكتور عمرو النامي.. وساسة كالزعيم سليمان ‏الباروني..‏

 

ولكن عندما انسلخ العرب عن المبادي والأفكار الحيّة التي وحدتهم والقيم الساميّة التي جمعتهم مع الشعوب ‏والأقوام الأخرى في المنطقة ـ كإخوتنا الأمازيغ، والأكراد، والأفارقة، والتركمان، والمصريين ـ لم تجد هذه ‏الشعوب والأقوام خيارا إلا أن تطالب بقوميتها، والتشبث بثقافتها، والاعتزاز بلغتها.‏

كل هذا قادنا إلى الوضع والواقع الذي نحن فيه اليوم.. قادنا إلى أن أصبحنا:‏

مستهلكين... لا منتجين‏ ‏

تابعين... لا متبوعين‏ ‏

ومجترين... لكل ما ينتجه الغير‏ ‏

ثانيا: ما هي مظاهر هذه الأزمة؟

لعل من مظاهر هذه الأزمة ـ إن لم يكن المصدر الأساسي ـ هو "غياب الدستوريّة".. إن غياب ما ‏نسميه الدولة الدستوريّة قد يعتبر من أهم ـ إن لم يكن الأهم ـ القضايا التي تواجه الإنسان العربي وغير العربي ‏في منطقتنا اليوم.‏

فالدستور هو العقد الاجتماعي الذي يربط أعضاء الأمة بعضهم ببعض. ‏‎ ‎‏ ‏    

‏وهو الأداة التي تمنح الحكام المشروعيّة وثقة الشعوب بهم. ‏                   

‏وهو الفكرة التي بواسطتها يمكن أن ننتظم. ‏

‏وهو الميثاق الذي يمكن الرجوع إليه عند الاختلاف. ‏وهو العهد الذي نلتزم جميعا بالمحافظة عليه. ‏

‏وهو التجسيد الحقيقي لكل أماني وأحلام الشعب.‏

 

ثالثا: ما هي أسباب الأزمة؟‎ ‎‏ ‏

في الحقيقة أنّ هناك أسباب عديدة لهذه الأزمة. لعل من أهمها الأسباب‎ ‎التاليّة:‏‎ ‎‏ ‏

‏1. الاستبداد السياسي

‏2. الجمود الفكري ( أوغياب الاجتهاد) ‏

‏3. التبعيّة

‏4. غياب المنهجيّة

‏1. الاستبداد السياسي

 

لعل من أهم الأسباب التي قادت إلى الأزمة الفكريّة في الوطن العربي هو ما نسميّة "بالاستبداد السياسي" ويمكن ‏إرجاع هذا السبب إلى بدايّى العصر الأموي.. فمنذ ذلك العصر بدأت روح الشورى وحق الاختيار في الزوال. ‏فلقد كان معاوية بن أبي سفيان هو أول مؤسس ـ في التاريخ الإسلامي ـ لنظام ملكي وراثي يستند حكمه على ‏القوة والخوف والإكراه.. فلم تكن بيعة "يزيد بن معاوية" أو اختيار يزيد للخلافة قد تمّ في حريّة تامة، وإنما "‏كان الإكراه فيها أكثر وأغل."‏

 

وللاستدلال على ذلك نذكر في هذا المقام القصة المشهورة لمبايعة يزيد ‏بالخلافة، والتي تتلخص في أنّ معاويّة كتب في عام 55 هـ إلى كل الولايات أن يأتوا إليه لأخذ البيعة لإبنه ‏يزيد، فلما حضرت الوفود إلى معاويّة وكان معه بعض أصحابه، طلب معاويّة من هؤلاء الأصحاب أن يبدوا ‏رأيهم في يزيد، فتكلم بعضه، ثم قام يزيد بن المقفع فقال:‏

‏"أمير المؤمنين هذا".. مشيرا إلى معاويّة "فإن هلك فهذا"..وأشار إلى يزيد، ‏‏ ثم قال: "فمن أبى فهذا " وأشار إلى سيفه.. ‏‏فقال له معاويّة: " اجلس فإنك سيد الخطباء." ‏

 ومنذ ذلك الحين لم يتردد الحكام (وخصوصا في العصر العباسي) من معاقبة كل من حاول التدخل في الشؤون ‏السياسيّة حتى ولو كان من الأئمة العلماء.. فعلى سبيل المثالـ لا الحصر ـ "قام أبوجعفر المنصور باضطهاد ‏الإمام مالك، وضربه سبعين سوطا من أجل فتوى أفتاها بعدم صحة بيعة البعض للخلفاء العباسيين، لأن ‏‏ المبايعيين كانوا مكرهين‏‏.. إن مالك بن أنس استفتى في الخروج مع محمد بن عبدالله بن الحسن فقال: "إنما ‏بايعتم مكرهين، وليس على مكره يمين."‏

 

ومن علامات الاستبداد السياسي في تلك الفترة ـ أيضا ـ نجد أن كبير الباحثين والمؤلفين المسلمين في المسائل ‏المتعلقة بنظام الحكم وهو الفقيه القاضي أبوالحسن الماوردي المتوفى سنة 540هــ 1146م، نجده بعد أن ‏‎ ‎‎‏ كتب كتابه الشهير الأحكام السلطانيّة" يوصي بعدم نشره إلا بعد وفاته. ‏

 

هذا كما قام المأمون الذي أعتنق مذهب "المعتزلة" ـ لا سيما رأيهم الشهير بأنّ القرآن "مخلوق" ـ بإنزال بالغ ‏‏ الأذى بأولئك العلماء (وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل) لا لشيء إلا لأنهم خالفوه في الرأي.‏

 

ولم تع أمتنا إلى ما قاد إليه الاستبداد السياسي إلا بعد حوالى أربعة قرون، عندما ساد الفساد، وعمت الفوضى، ‏واستلم القضاء أناس غير أهل له.. وعندما أستدرك العلماء والفقهاء والمفكرين في تلك الحقبة ورأوا ما آلت ‏إليه الأحوال ووجدوا أنفسهم عاجزين على تغيير الواقع. لم يكن أمامهم من حل إلا الاتفاق على "قفل باب ‏الاجتهاد" مما قاد إلى جمود فكري، وغابت روح الاجتهاد. ‏‏

‎ ‎‏ ‏

‏2. الجمود الفكري (أو غياب الاجتهاد) ‏

بالرغم من الاستبداد السياسي إلا أنّ الإبداع الفكري قد استمر، بل وقد نقول ازدهر في بعض ‏المجالات الأخرى؛ كالأدب والثقافة والفن والعلم والطب.

 

لقد بدأ عصر الجمود منذ قفل باب الاجتهاد في آواخر القرن الرابع الهجري (آخر القرن العاشر ميلادي). منذ ‏ذلك التاريخ وقفت الأمة عن الإبداع والابتكار واعتمدت على اجتهادات الماضي وأراء السلف.. وهذا الجمود ‏الذي أصاب العلماء والفقهاء والمفكرين في الأمة الإسلاميّة هو أحد الأسباب الأساسيّة لهذه الأزمة التي نعيشها ‏اليوم.‏

 

3 . التبعيّة‎ ‎

 

أحد تعريفات التبعيّة هو "التقليد الأعمى" أو الانقياد وراء الغير بدون دراسة ولا هدف. إن هزيمة المسلمين لأول ‏‎ ‎‏ ‏‎ ‎مرة أمام الأوربيين في معركة "ُفينا" سنة 1683م. في هذه المعركة ثم محاصرة الجيوش ‏لعثمانيّة مما أدى إلى فشل هذه الجيوش وتراجعها. وسجلت بذلكـ ولأول مرة في تاريخ الخلافة الإسلاميّةـ ‏أن أُجبر العثمانيون على توقيع اتفاقيّة للسلام سنة 1899 م.. ولقد سجل التاريخ بأنّ هذه الاتفاقيّة كانت بدايّة ‏لمرحلة جديدة، إذ لاحظ فيها المسلمون تخلفهم الفكري ـ وخصوصا في المجالات العسكريّة. ‏‏ ‏‎ ‎‏ ‏ومنذ ذلك الحين والسؤال هو: ماذا نفعل.. وكيف؟ معروض للإجابة.. ‏‏ في كل شيء.. ‏ومنذ ذلك الحين ونحن نقلد الغرب ‏

 

فعلى سبيل المثال لم تمر فترة طويلة حتى أدرك العثمانيون وخصوصا القيادات العسكريّة بأنهم يواجهون تحدي، ‏ولكي يواجهوا هذا التحدي الجديد لم يكن أمامهم إلا شراء السلاح من عدوهم الذي هزمهم. ‏

ولم يمر زمن طويل ـ أيضا ـ حتى أدركت تركيا بأنّ شراء السلاح وحده لن يكون كافيا؛ بل لابد من معرفة طرق ‏وكيفيّة استخدامه والاستفادة منه. وهذا الذي أرغم تركيا إلى بعث أبنائها إلى الخارج، والاستعانة بالخبراء ‏وبناء المؤسسات على الطراز الغربي. ‏‏ ‏‎ ‎‏ ‏

 

ومنذ ذلك الحين ونحن نتبع الغرب في كل صغيرة وكبيرة، فعلى سبيل المثال ما أن راجت فكرة "القوميّة" في ‏الغرب حتى قامت طائفة من المسلمين ينادون بها.. وقاد ذلك إلى التحالف مع الإنجليز ضد أخوتنا الأتراك، ‏وكانت النتيجة إن خاننا الإنجليز، وفقدنا أخوة لنا، وضيعنا أراضي المسلمين وقسمناها.‏

وما أن راجت فكرة "الماركسيّة" ـ في العشرينات ـ حتى قامت طائفة أخرى من المسلمين ينادون في الناس بأنّ ‏الاشتراكيّة ليست إلا الحل الاقتصادي في الإسلام.. ليس هذا فقط؛ بل لقد بلغ الأمر ببعض كبار رجال العلم ‏والفكر في الوطن العربي إلا أن نادوا جهارا نهارا باتباع الغرب، والاقتداء بهم في كل شيء، فعلى سبيل ‏المثال ـ لا الحصر ـ نادى عميد الأدب العربي (في ستينيات القرن الماضي) الأستاذ الدكتور طه حسين في أحد ‏مؤلفاته: ‏

‏ "... بتقليد الغربيين في ثقافتهم، في تفكيرهم.. وفي تعليم لغتهم قديمها وجديدها.. حرفا بحرف" إذ نجده ‏يقول: " إنّ العقليّة المصريّة عقليّة اوروبية لها اتصال وثيق بالعقليّة اليونانيّة، بعيدة كل البعد عن العقليّة ‏‏ الشرقيّة..."‏‎ ‎

 

وإذا كان الدكتور طه حسين قد نادى بتقليد الغرب في كل شيء حتى لغتهم؛ فها هو الأستاذ الدكتور صادق جلال ‏العظم يذهب إلى أكثر من ذلك إذ نجد في كتابه نقد الفكر الديني" يدعو للقضاء على الاتجاهات الدينيّة وذلك لأن ‏الدينـ كما يدعي ـ مناقض للعلم. فعلى سبيل المثال يقول الأستاذ العظم: ‏

‏ "عندما نقول مع (نيتشه): إن الله قد مات أو هو في طريقه إلى الموت ‏‏ فنحن لا نقصد أن العقائد الدينيّة قد تلاشت من ضمير الشعوب، ‏‏ وإنما نعني أنّ النظرة العلميّة التي وصل إليها الإنسان عن طبيعيّة الكون ‏‏ ‏‏ والمجتمع والإنسان خاليّة من ذكر الله تماما." ‏

 

وفي نفس الكتاب يقول: "يجب ألا يغيب عن بالنا أنّه مرت على أوربا فترة تتجاوز القرنين ونصف القرن قبل ‏أن يتمكن العلم من الانتصار انتصارا حاسما في حربه الطويلة ضد العقليّة الدينيّة التي كانت سائدة في تلك ‏‏ ‏‏ القارة"." ‏

 

والعجيب في هذا الأمر أن الأستاذ العظم يخلط هنا ـ عن قصدـ بين المسيحيّة التي رفضت العلم في فترة من ‏تاريخها وبين الإسلام الذي شجع العلم وكرّم العلماء. لقد عجز الأستاذ العظم على تقديم مثال واحد يقف فيه ‏الإسلام ضدّ العلم. وكل ما استدل به الأستاذ العظم هو مقولة نيتشه بأنّ "الله مات"، فما علاقة هذا بذاك.. أيّ ما ‏علاقة هذه المقول الشاذة ـ حتى في الفكر الغربيـ بالإسلام والمسلمين.‏

 

ومن المسلمين الذي يقول بأنّ العلم والدين شيئان متناقضان. فكل باحث موضوعي ـ مسلم أو غير مسلم ـ ‏يدرك بأنّ الإسلام دين العلم ومدرسة العلماء , وذلك لأنّ العلم يقود إلى الإيمان واليقين. ومن المعروف لكل ‏من درس الإسلام بأنّه دين الدليل والبرهان، يقول تعالى: "قل هاتوا برهانكم إنّ كنتم صادقين".. وهو دين ‏التحدي يقول تعالى: "يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا، ‏لا تنفذون إلا بسلطان." ‏

 

ولعل من أغرب التعليلات في اتباع الغرب والاقتداء بهم هو الشعار الذي رفعه كمال آتاتورك وأتباعه من ‏أعضاء "حركة تركيا الفتاة". يقول آتاتورك: "بأن العالم شهد العديد من الحضارات، كل واحدة منها نمت ‏وترعرعت واندثرت. وفي هذه المرحلة التاريخيّة توجد حضارة حيّة واحدة فقط، لابد من اتباعها والاشتراك ‏فيها، وإلا سوف نبقى غير متحضرين.10" ‏

‎ ‎رابعا: كيف يمكن الخروج من هذه الأزمة؟‎ ‎‏ ‏

في اعتقادي يمكن الخروج من هذه الأزمة إذا تمّ تحقيق الأتي:‏‎ ‎‏ ‏

‏ إزالة الاستبداد السياسي ‏‏ ‏

‏ التخلص من التبعيّة‏‏ ‏

‏ تحديد الهويّة‏‏ ‏

‏ اتباع المنهجيّة العلميّة‏‏ ‏

‏ إزالة الاستبداد السياسي:‏‏ ‏

أنا من المؤمنين بأنّ الاستبداد السياسي لا يمكن أن يزول إلا إّدا كنّا أقوياء. وعليه فلابد أن نعي بأنّ ‏الذين يملكون القوة دائما يملكون حق تقرير المصير، ولابد أنّ ندرك بأنّ المنتصرين هم الذين يصنعون التاريخ ‏ويكتبونه. ومن هذا فلابد أن نعتمد على أنفسنا وأن نعدّ العدة ونستعد دائما من أجل إزالة كل مظاهر الاستبداد ‏السياسي. وهذا ما يذكرنا به القرآن الكريم دائما عندما يقول: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط ‏الخيل." ‏‏ ‏‏ التخلص من التبعيّة:‏‏ ‏‎ ‎‏ ‏

وهذا أيضا سيتحقق إذا أصبحنا أقوياء، وذلك لأنّ "نزعة التقليد" ـ كما يقول ابن خلدون في مقدمته ـ ‏هي ظاهرة من ظواهر تقليد الضعيف للقوي "فإن المغلوب مولع دائما بالاقتداء بالغالب". وهذا التقليد والانبهار ‏به يقود دائما إلى التبعيّة. وكل دارس للتاريخ يرى بكل وضوح أنّ أغلب التغيرات الحضاريّة دائما تبدأ بانتصار ‏في أرض المعركة. فهزيمة المسلمين في "فينا"ـ على سبيل المثالـ كانت بدايّة لمرحلة جديدة. أدرك فيها ‏المسلمون تفوق الغرب مما قاد المسلمين إلى التبعيّة، وتقليد الغرب تحت شعار "التمدن". وقد بدأت هذه المرحلة ‏بإدراك المسلمين ضعفهم العسكري، مما دفعهم إلى التفكير في الاستعانة بالخبراء الأجانب القادرين على ‏استعمال الأسلحة المستوردة من الغرب. وهذا بالتالي دفع الدول الإسلاميّة إلى إصلاح النظام التعليمي، ومن ‏ثمّ إدخال النظام الغربي التعليمي.‏

 

هذه التبعيّة التي بدأت بتقليد الغرب والاستعانة به في التسلح، قادت إلى مجال التعليم، وها هو اليوم ينتشر في ‏كل مجالات الحياة. فالمسلمون اليوم يتبعون الغرب في كل شيء حتى ـ عند البعض على الأقل ـ في مفهوم ‏الدين والتدين، وفي علاقة الدين بشؤون الحياة، وذلك فإنّ الأداة الوحيدة للتخلص مما نحن فيه هو أن نتخلص ‏من تبعيّة الغرب والشرق على السواء. ‏

‏ تحديد الهويّة:‏‏ ‏

لكي نعيد لأمتنا مكانتها الطبيعيّة تحت الشمس، ودورها الريادي بين الدول؛ لابد أن نحدد هويتنا. وهذا ‏يعني أن نعرف من نحن قبل التفكير في ما نريد. فعلى سبيل المثال قد يقول البعض نحن مسلمون من الجنس ‏العربي، ويقول آخرون نحن مسلمون من الجنس الأمازيغي. فالهوية ـ هنا ـ لنا جميعا هي الإسلام، وذلك لأننا ‏التقينا على فكرة واحدة ـ وهي الإسلام ـ برغم من أنّنا أتينا من أجناس مختلفة.‏

 

لابد أن نتفق بأنّه لكي نحدد هويتنا لابد لهذه الأمة من فكرة، ولابد لهذه الفكرة من إنسان يحملها، ولابد لهذا ‏الإنسان من أرض ينطلق منها.. وذلك لأنّ الأفكار أسمى من الأجناس، والأجناس أقدس من الأرض. ولعل خير ‏مثال على تجسيد هذه الفكرة ما قاله سيدنا عمر بن الخطاب: "نحن قوم أعزّنا الله بالإسلام، فإن بغينا العزّة في ‏غيره أذلّنا الله".‏

 

ومن جانب آخرـ في هذا الصدد ـ يمكن الاستفادة من تجارب الشعوب الأخرى: فعلى سبيل المثالـ لا الحصر ‏‏ ـ نجد أنّ اليهود قد اهتموا بهذه القضيّة، وهذا ما مكنهم من النجاح والاستمرار عبر التاريخ برغم من كل ‏التحديات التي واجهتهم. ومن آخر ما ابتكره اليهود ـ من أجل تحديد هويتهم ـ فكرة "الصهيونيّة". لقد وضع ‏اليهود هذه الفكرة شعارا استراتيجيّا وهدفا منشودا. فقد كان شعار الصهيونيّة عندما أتت إلى فلسطين: ‏‏"شعب بلا أرض.. في أرض بلا شعب". لقد حمل هذا الشعار الإنسان الصهيوني وانطلق به إلى فلسطين ‏وعاصمتها القدس الشريف.‏

 

ولعل المثال الثاني ـ على أهميّة تحديد الهويّة ـ هو ما قامت به اليابان بعد الحرب العالميّة الثانيّة، من ‏المعروف ـ لكل من درس التاريخ اليابانيـ أن اليابان دولة فقيرة جدا في مواردها الطبيعيّة، فهي تستورد ‏أكثر من خمس وتسعين بالمئة ( 95% ) من المواد الخام التي تستخدمها في التصنيع. فأين يكمن مصدر قوة ‏اليابان اليوم؟

تكمن قوة اليابان وازدهارها في الإنسان الياباني ذاته، يقول الأستاذ محمود محمد سفر (في كتابه دراسة في ‏البناء الحضاري): " لقد كان أعظم اكتشافات اليابان هو الإنسان ذاته، إذ بهذا الإنسان، وعلى أرضها وقفت ‏اليابان بإباء وشموخ."11‏

ويستمر الأستاذ سفر في وصفه نهضة اليابان قائلا:‏

‏ ".. لقد كانت اليابان دول غير متقدمة حتى بداية القرن العشرين.. ‏‏ ولكن بعد أن حدّد الرجل الياباني هدفه"، وعرف ماذا يريد أن يقوم به، ‏‏ أخذ يسعى في مشارق الأرض ومغربها بحثا عن الوسائل ‏‏ التي ستحقق له ذلك الهدف. فبعث اليابان ببعثات إلى كل الدول ‏‏ الغربيّة والشرقيّة بما فيها مصر في عصر الخديوي إسماعيل ‏‏ يبحثون عن أسباب تقدم هذه الدول."12 ‏‏ ‏

 

وعندما أتى اليابانيون إلى مصر ولم يجدوا ضالتهم لم يتأثروا بشيء من ثقافة مصر ودينها ولغتها، تلك هي الروح الحقيقيّة لبداية انطلاق اليابان. إن اليابانيين عندما ذهبوا إلى الشرق والغرب لم تشغلهم المسميّات أو المناصب، وإنّما شغلتهم أهداف ساميّة للنهوض ببلادهم، وشغلتهم معرفة أسرار التقدم والتقنيّة. هذا ما  نريد اليوم في وطننا العربي من أجل النهوض والتقدم.

 اتباع المنهجيّة العلميّة:‏‏ ‏‎ ‎‏ ‏

من الأمور التي تنقص أمتنا ـ هذه الأيام ـ هو ما يمكن تسميّته "بالمنهجيّة العلميّة". إنّ غياب ‏المنهجيّة العلميّة في التفكير والعمل يعتبر من أهم الأسباب التي قادت أمتنا إلى الوضع التي هي فيه اليوم.. ‏وعليه فلابد من التذكير بالحقائق التاليّة:‏

لابد أن نعلم بأنّ الفكر لكي يكون منتجا لابد أن يكون منظّما.‏‎ ‎‏ ـ ‏

‏ ـ لكي يكون هذا الفكر منظّما لابد أن يكون له "أولويات" ‏

‏ ـ لابد أن يكون منهجنا مبني على علم ودرايّة‏‎ ‎

‏ـ وأخيرا لابد أن نعي بأنّه من شروط المنهجيّة أن تكون أساليبنا واهدافنا واقعيّة، بمعنى لابد من الانطلاق من ‏‏ الواقع الذي نحن فيه باستخدام الوسائل المتاحة والتي لا تتعارض مع مبادئنا وقيمنا. ‏‏ ‏

‏ د. محمد بالروين

berween@hotmail.com

‎ ‎

‏** تم نشر هذا المقال فى مجلة الحقيقة (تصدرعلى النت) السنه الثانية , العدد التاسع.‏

 

المراجع

1.        مقدمة ابن خلدون، جـ 2 صفحة 549 ، (طبعة 1379 هـ) شرح وتعليق علي عبدالواحد وافي

2.       الكامل ابن خلدون , ج2 ص 549  (طبعة 1379 ه ) (راجع الاحام السلطانية للماوردى ص 8).

3.       تاريخ الطبري، جـ 9 صفحة 206، طبع مصر - (راجع ضحى الإسلام جـ2 للأستاذ أحمد أمين صفحة 32) 

4.       عبد الحميد متولي " أزمة الفكر السياسي الإسلامي" 1985، الطبعة الثالثة، الهيئة المصريّة العامة للكتاب، صفحة 50

5.       نفس المرجع السابق صفحة 93

6.       اصطلاح الغرب --  هنا --  هو اصطلاح جغرافى يشمل روسيا و أوروبا الشرقية --- لا بمعناه السياسى

7.       طه حسين "مستقبل الثقافة في مصر" الجزء الأول.. (الطبعة 1938م) صفحة 63

8.       عبدالرحمن حسن الميداني "صراع الملاحدة حتى العظم" دار القلم- بيروت 1980م صفحة 142 

9.        نفس المرجع السابق صفحة 61

10.     Bernard Lewis (1997) “THE WEST AND THE MIDDLE EAST” Foreign Affairs, January / February p. 127

11.     محمود محمد سفر "دراسة في البناء الحضاري" طبعة 1409 هـ صفحة 8711

12.     نفس المرجع السابق صفحة 90 -


الأبواب الأساسية
 الرئيسية
 تعريف بالمنتدى
 قضايا أساسية
 قضايا فكرية
 قضايا إسلامية
 قضايا العلمانية
 قضايا اجتماعية
 النضال السلمي
 التغيير السياسي
 قضايا الدستور
 قضايا الإستبداد
 قضايا الديمقراطية
 قضايا الإصلاح
 قضايا الفساد
 الحقوق والحريات
 قضايا المجتمع المدني
 قضايا المرأة
 قضايا الشباب
 قضايا التنمية
 قضايا العولمة
 قضايا الشرق الأوسط
 قضايا عامة
 المعارضة الليبية
 التجربة الليبية
 تجارب سياسية
 حوارات
 دراسات
 ندوات
 مختارات
 خلاصات
 للإتصال بنا

تصويتات
هل تعتقد أن تنحي القذافي ممكن؟
الأمر غير ممكن
نعم، تحت الضغوط المستمرة
لا أستطيع أن أقرر
  

احصل على آخر الأخبار
مباشرة الى سطح مكتبك
RSS

عدد الزوار
228061 زائر/زوار

Go to top of page الرئيسية | تعريف بالمنتدى | قضايا أساسية | المعارضة الليبية | التجربة الليبية | تجارب سياسية | حوارات | دراسات | ندوات | مختارات | خلاصات | للإتصال بنا |