بسم الله الرحمن الرحيم

 

المشروع الحضاري

من وثائق المجلس الوطني

تقرير حقوق الإنسان

من الوثائق الدولية

مختارات من مجلة الإنقاذ

ملفات خاصة

كاريكاتيرات

 

أوراق المؤتمر الوطني

توصيات المؤتمر المعتمدة

وكان كما نريد

نورالدين بوالطيب

بشائر هلاك قرية النظام

ادرار نفوسه

هنا صوت الشعب الليبي..

صوت إذاعة ليبيا الحرة

الأجدابي

الصحارى وسراب الإصلاح

إبراهيم صهّد

النشيد الوطني الليبي

يـا بـلادي

تسجيل مهرجان الجبهة في الذكرى الـ23 لتأسيسها

تقريرا مفصل عن

مجزرة سجن بوسليم

The Abu Sleem Prison Massacre in 1996

 

بيان فصائل المعارضة

ميثاق منطلقات وثوابت وأهداف النضال الليبي

Declaration of Agreement on the Principles,Fundamentals, and Objectives Of the Libyan Struggle

 

مواقع ليبية

المؤتمر الوطني للمعارضة الليبية

ليبيا المستقبل

موقع الساطور

القذافي يهرج !!

ليبيا وطننا

مركز الدراسات الليبية

ليبيا الحرة

ليبيا الجديدة

ليبيا جيل

مجلة الحقيقة

منتدى ليبيا المنارة

ليبيا - المختار

الرابطة الليبية لحقوق الإنسان

التضامن لحقوق الإنسان

الرقيب لحقوق الإنسان

أخبار ليبيا

المؤتمر الليبي للأمازيغية

ليبيون من أجل العدالة

الاتحاد الدستوري الليبي
ليبيا ايمال

الاتحاد الليبي للمدافعين

عن حقوق الإنسان

 

مقالات صفحة الإنقاذ

ثقافتنا السياسية

بقلم: د. محمد بالروين

 

لعل من المتفق عليه عند كل العقلاء أن المجتمع النموذجي هو الذي يكون عادلاً، حرا، منظما ، ومسيطرا علي كل شئونه الداخلية والخارجية . ولكي يتحقق هذا المجتمع لا بد أ ن يكون مؤسسا علي ثقافة سياسية نيره وسليمة وهنا تبرز مجموعة من الأسلة لعل من أهمها:

  • ما هي الثقافة السياسية، و ماذا تعنى؟

  • ما هي أ هم أسسها أ و مكوناتها؟

  • ما هي أهم أنواعها؟

  • وما هي أهم الثقافات السياسية السائدة اليوم بين الليبيين ؟

أولا: ما هي الثقافة السياسية؟

 

باختصار شديد يمكن تعريف الثقافة السياسية علي أنها مجموع المعتقدات والقيم التي يؤمن بها والأنماط التي يمارسها المواطنين في مجتمع معين والمتعلقة بالشؤون السياسية ونظام الحكم في الدولة.


ماذا يعني هذا؟
من هذا التعريف يمكن استخلاص وتأكيد ما يأتي ..
(1) أن أبناء المجتمع -- لكي يكون لهم مجتمع مدني ومتطور لا بد ان يشتركوا في أهم
المعتقدات والقيم والسلوكيات التي يقوم عليها المجتمع.
(2) من أهم أهداف الثقافة السياسية هو تشكيل الشخصية السياسية وإقناعها بالنظام السائد في الدولة.
(3) لا بد من إدراك ان الثقافة عموما-- والسياسية خصوصا -- تنتقل من جيل إلى جيل وهي عملية مكتسبة ومستمرة وغير ثابتة.

(4) لا بد من إدراك أن النظام السياسي هو نتاج لثقافة التي وجد ت فيها . فعلي سبيل المثال نظام القذافي- هو نتاج تلك الثقافة التي سادت الوطن العربي وخصوصا في الستينات من القرن الماضي حقيقة مرة لكننا لا بد من الاعتراف بها اذا أردنا الإصلاح الحقيقي في وطننا الحبيب ليبيا. القذافي لم يأتي من الخارج -- ولم يتعلم في الخارج -- انما كان نتاج الفكر الاشتراكي والقومي العربي الذي ساد المنطقة في تلك الفترة ... وباختصار فالثقافة السياسية هي انعكاس لكل الأساليب والمناهج التي يفكر ويشعر بها الناس في المحيط الذي يعيشون فيه...

(5) الثقافة السياسية في المجتمع هي التي تشكل دور الدولة وعلاقة الدولة بالمواطنين ومن الذي له حق الحكم.

 

ثانيا: ما هي أهم أسس الثقافة السياسية ؟


قلنا بأن الثقافة السياسية هي نتاج ما وعاه وإدراكه المواطنين في فترة زمنية معينة حول المحيط الذي يعيشون فيه والذي يشكل وجودهم ووجدانهم ولعل من أهم أسس الثقافة السياسية في أي مجتمع ما يلي:


1- المعتقدات:
وتشمل كل ما يؤمن به الشعب ويعتبره أساس وجدانه وأقد س ما لديه في حياته فلكل شعب مقدسات وحرما ت مهم كان شكلها أو نوعها أو حجمها . فالشعوب التي ليس لها مقدسات وحرمات هي شعوب لا تستحق الحياة. ولعله ومن المسلم به أن غاية الحياة هو أن يعتقد الإنسان في شئ ما لان قيمة الإنسان فيما يعتقده ، وان اعتقاده هو أحد الصفات الأساسية التي تميزه عن غيره من المخلوقات.


والاعتقاد هو أحد الأهداف - ان لم يكن الهدف الأساسي - من وظيفة التفكير، ومن هذ ا فيمكن القول بأن وجود الإنسان مرتبط باعتقاده ، بمعي الإنسان هو ما يعتقد فمن الاولي أن يكون شعار الإنسان ( أنا أعتقد ... إذاً أنا موجود ) وليس كما قيل في الماضي (أنا أفكر ... إذاً أنا موجود) ذلك لأن التفكير وظيفة من وظائف الانسان. وفي الإسلام التفكير- كما يقول الأستاذ محمود العقاد رحمه الله - فريضة إسلامية. بينما الاعتقاد هو هدف وغاية ناتجة عن تفكير الإنسان من كل هذا يمكن القول بأن من الاسس الهامه لتكوين أي ثقافة هو مجموع المعتقدات التي يملكها الشعب. فإذا كانت هذه المعتقدات سامية وحضارية فتنتج عنها ثقافة حية وراقية والعكس صحيح ....


2- القيم : وما أعنيه هنا هو -- ما هي أهم القيم التي تعتمد أو ترتكز عليها الثقافة السياسية في المجتمع؟ ولعل من المناسب في هذا الصدد الإشارة إلى بعض أهم القيم وفهمها والتي دائما تلعب دورا أساسيا اما في تقد م الشعوب أو تخلفها ولعل من أهم هذه الأتي: العدل.. والإنسان .. والنظام.. والوقت..
في تصوري هذه هي بعض أهم القيم التي لا بد ان تتأسس عليها ثقافتنا السياسية اليوم ...

وفي هذه العجالة دعني أعرف - وباختصار شديد- هذه القيم:

 

(أ) العدل وهو من أسمي القيم التي تقوم عليها المجتمعات بغض النظر عن معتقداتها، فقد ينصر الله الدول العادلة حتى و لو كانت كافرة كما قال الإمام علي ( كرم الله وجهه) ويهزم الدول الظالمة حتى ولو كانت مؤمنة، وما حال وواقع أمتنا اليوم الا أكبر دليل علي ذلك أولم نكن خير أمة أخرجت للناس- كما علمنا القرآن الكريم ، نعم أن الامة الاسلامية خير أمة أخرجت للناس وستبقى كذلك الي قيام الساعة . وهنا قد يقول قائل - اذا كانت الامة الاسلامية هي خير أمة أخرجت للناس فلماذ ا هذ ا وضعها؟ ولماذا نحن منهزمون وضعفاء ؟ .... والإجابة في الحقيقة تكمن في السؤال نفسه .... فهل نحن مسلمون حقا؟ وهل نحن عاد لون حتي مع أنفسنا ؟ وهل نحن حقا نحترم الانسان كأنسان؟ وهذ ا السؤال الاخير يقد ني الي الحد يث علي القيمة الثانية التي لا بد ان تقوم عليها ثقافتنا السياسية وهذه القيمة هي.

(ب) الانسان- هذ ا المخلوق الذي أعزه الله وأكرمه وسخر له ما في السماوات الارض فالانسان هوأسمى قيمة في ا لمجتمع . وهذ ا يعني أن كل أنسان مهما كان - هو أغلى وأزكى واسمى مخلوق في هذ ا الكون .... والانسان بأختصار هو أهم مقياس لنجاح أوفشل أي نظام سياسي وأن الغرض الاول والاساسي من انشاء أي حكومة هو حماية ومساعدة الانسان علي أن يعيش حياة سعيدة وكريمة وفي أمن وأمان ... فاذا سلمنا بهذا يحق لنا أن نسأل: هل ثقافتنا السياسية العربية احترمت وتحترم الانسان كانسان؟ والاجابة طبعا بالنفي " فد م الانسان المسلم علي سبيل المثال - ليس رخيص فقط وانما لا قيمة له ولاثمن له ... وهنا نستطيع أن نري بوضوح الفصام ما بين المعتقد ات- كأمة اسلا مية عندما يأمرنا الاسلا م بتكريم الانسان كأنسان عند ما قال في القرآن الكريم " ولقد كرمتا نبي آدم ...." وما واقع الامة العربية اليوم الذي أهان الانسان وجرده من أبسط حقوقه الانسانية. ولعل من أبسط الامثلة وأحزنها الكيفية التي تتصرف بها الطبقة الحاكمة عند ما يأتي اليها زائر من الغرب وعندما يقوم الاعلا م الغربي باجراء مقابلة مع أحد منها .... فوزيرة الخارجية الامريكية - علي سبيل المثال - السيدة رايس لاتحتاج أن تأتي بمترجم عند ما تزور أي دولة عربية وذلك لان المسئولين العرب سيتحدثون معها باللغة الانجليزية حتي في مؤتمراتهم الصحفية التي تعقد بالبطع في العواصم العربية ، والتي يفترض أن تكون موجهة للشعب العربي ستكون باللغة الانجليزية أليس هذ ا دليلا قاطع علي الاستخفاف بعقلية الانسان العربي والافلا سي الكامل للثقافة السياسية العربية وهنا لا بد من الاشارة الي أمر هام - حتي لا يسىء فهمي الكثير من أخواتي وأحواني - هو أنني عربي الجنسية وفخور بذلك ولكن واقعنا محزن ومؤلم ولا بد من تجاوزه بالقضاء علي هذه الثقافة السياسية التي أعلنت افلاسها وأصبحت عقبة في سبيل توحيد المنطقة وجمع الشمل وذلك باحترم الانسان كأنسان وتكريمه كما أمرنا الإسلام. 1

(ج) اما القيمة الثالثة التي لا بد ان تأسس عليها ثقافتنا السياسية فهي قيمة " النظام." وما أ قصده هنا هو الكيفية التي تتم بها ترتيب الاشياء وأنجازها وبناء علي هذ ا التعريف يمكننا القول بأن ثقافتنا السياسية - علي الاقل حتي الان - لم تول أهتماما كبيرا لهذه القيمة الاجتماعية الهامه والتي لا يمكن لاي مجيمع ان ينهض الا بها . ولعل خير مثال علي غياب هذه الظاهرة هو افتقار مجتمعاتنا الي المؤسسات العصرية الفعالة والمؤثرة ... وكل ناظر الي مجتمعاتنا يجد أن كل المؤسسات وجد ت من أجل حماية الانظمة واعطاء ها الشرعية . وليست لخد مة المواطن وتشجيعه علي النمو و الابداع ان قيمة النظام هي أحد الشروط الاساسية للنجاح والابداع والاتقان ، وهذا ما أمرنا به د يننا عند ما قال رسولنا الكريم: ( ان الله يحب اذا عمل أحد كم عمل أن يتقنه ). وبناء علي هذ ا الحد يث الشريف فالاتقان لا يمكن أن يتم الا بالنظام خصوصا ا لنظام السياسي المتجسد في المؤسسات المتطورة .....

(د) أما القيمة الرابعة - والاخيرة في هذ ا المقال - والتي لا بد أن تأسس عليها ثقافتنا السياسية فهي قيمة ( الوقت ) .... وهنا يمكن البدء بالقول أنه من العجيب أن الكثير من أخوتنا وأخواننا يتحدثون علي الوقت دون المحاولة لتعريفه أو الوقوف عند ما يعنون به ؟ وما هي مكانته في حياتنا؟ وحتي لا أخوض في هاذين السؤالين - أقول باختضار شديد - الي أنني لا أنظر الي الوقت علي أنه مجرد عامل مهم - أو الاهم - في حيا تنا بل أنظر الي الوقت علي أنه حياتنا نفسها واننا عتد ما نتحد ث علي الوقت لا نتحد ث علي مجرد بعده الزماني - بمعني : أنه مجرد الثواني والدقائق والساعات والايام والشهور والسنين التي نحسبها، بل نتحد ث علي ماذ ا انتجنا ؟ ... وماذ ا ننتج ؟ ... وماذ ا سوف ننتج ؟.


وإذا سلمنا بهذا التعريف فيمكننا ان نسأل :
- كيف تقيم ثقافتنا السياسية قيمة الوقت؟
- وكيف يقيم المواطن العربي الوقت؟
 

في الحقيقة من وجهة نظري المتواضعة يمكن القول بأن ثقافتنا السياسية اليوم لا تحترم الوقت ولا تعتبر له أى قيمة .... وفي نظري أن الثقافة السياسية التي لا تحترم الوقت هي ثقافة لا تحترم الإنسان كانسان . والثقافة التي لا تحترم الانسان هي ثقافة لايحق لها أن تعيش .

وذلك لأنه من سنة الحياة ان الشعوب التي تقد مت هي الشعوب التي احترمت الوقت وقدرته ونظرة اليه علي انه " الحاضر الدائم "-- بمعني ان الإنسان هو كل شىء ولكن في نفس الوقت ما الانسان الا نقطة صغيرة جدا في هذ ا الزمن ، وهذه النقطة الصغيرة جدا - بالمرغم من صغرها - تمر بثلاث مراحل كلها "حاضر"--- الماضي ( هو الحاضر الذي انتهاء ) ، والحاضر هو الوقت الذي نعيشه الأن )، والمستقبل (هو الحاضر الذي سوف يأتي ) . فاذا نظرنا الي الإنسان من هذا المنظور فإننا سنرى إنسان مبدعا قادرا علي الإنتاج والعطاء.

 

3 - الرموز.. أما الأساس الثالث والأخير- من أسس الثقافة السياسية في أى مجتمع فهو"الرمز أو الرموز" السياسية فلا يمكن أن تجد مجيمعا متحضر بدون رموز سياسية أو اجتماعية تعبر عن قيم كثيرة يفتخر بها ذلك المجتمع وتميزه عن غيره ... وما أقصده بالرموز هنا هي كل ما يشترك فيه أبناء الشعب للتعبير عن أنفسهم وهي ليست مجرد المصطلحات ، بل هي كل الأدوات والمفردات اللغوية التي يستخدمها أبناء الشعب في حياتهم اليومية والتي يعبرون بها عن قيم مختلفة وطموحات متنوعة . مثل النشيد الوطني والعلم ، وشعار الدولة ، ولغة الخطاب . وعليه فأن الثقافة السياسية المتحضرة هي التي تعطي أهمية خاصة لاستخدام الرموز والعمل علي ترسيخها في العقول ، فالرمز هو هذا التجسيد الحقيقي والواقعي للطموحات والاهداف والأماني الغير ملموسة أو مرئية . ولعله لا يفوتني - في المناسبة - أن نشير الي الرموز الهامة في وطننا االحبيب ليبيا وهو ما سأطلق عليه " الرمز الغوي" أى اللغة التي يتحد ث بها أفراد المجتمع أو بعض من أفراد المجتمع.. انه لحقيقة واقعة أن ثقافتنا السياسية قد تجاهلت - عن قصد - لغة شريحة كبيرة من أخواتنا وأخواتنا الامازيغ وحاولت فرض اللغة العربية والأسماء العربية عليهم - رضوا ذلك أم أبوا - ورغم اعتزازي - واعتزاز الكثيرون من أخواتي وأخواني الامازيغ بلغة القرآن المجيدة - ولغة أهل الجنة كما نعتقد نحن المسلمون . الا هذه اللغة العظيمة لا يمكن ان تفرض علي أى أنسان وهذه هي سنة الله عند ما قال في كتابه الكريم " وخلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم .." وهكذا امرنا الرسول صلي الله عليه وسلم عند ما قال: " لا فرق بين عربي ولا عجمي إلا بالتقوى ...." فالعجمي هو الإنسان المسلم الذي لا يتحد ث العربية . بمعني ان ما بين المسلين أخوان وأخوات كثيرون لا يتحدثون العربية والحقيقة أن العرب المسلمون يشكلون أقل من سد س ( 6/1 ) سكان المسلمون في العالم...

 

والسؤال هنا : ما الذي يضر اذا قرر أخواتنا وإخواننا - أو حتى البعض منهم- ان يتحدثون لغتهم ويفتخروا بثقافتهم فأغلبية الدول المتحضرة بها أكثر من ثقافة وتتحد ث أكثر من للغة، فسويسرا - رغم صغر حجها حوالي (290 ،41) كيلو متر مربع - يقطنها أربع شعوب: إيطاليون ، والمان، وفرنسيون، ورومانيون) وكل منهم يتحد ث لغته بمعني ان في سويسرا أربع لغات رسمية 2 وفي جنوب افريقيا هناك أكثر من أحد عشر لغة رسمية وفي بلد الهند يوجد أكثر من 350 ) لغة واللغة الرسمية في الهند ليست اللغة الهندية - والتي هي لغة الأغلبية الساحقة في الهند - وإنما هي اللغة الإنجليزية . وفي أمريكا هناك أكثر من 327 ) لغة حسب إحصائيات السكان لسنة 2000 ) فاذا كان هذا هو حال الشعوب الأخرى فما المانع من مساعدة اخواننا واخواتنا الامازيغ اللغة التي يختارونها علي الا تكون هذه اللغة اداة تميز وتفريق بيننا جميعا.


بناء علي كل ما تقدم نتسطيع القول بأنه من أهم أسس ( أو مكونات) الثقافة السياسية في أي مجتمع هو:

 

(أ) المعتقد ات السياسية ( أو الايدلوجية ) وهي مجموعة الافكار السياسية التي تشكل المنظومة الشاملة والكاملة لمفهوم السياسية والحكم في الوطن - كمعتقد ات الليبراليون والمحافظون في الولايات المتحدة.
(ب)
القيم السياسية الأساسية وهي كل ما يشترك فيه الاغلبية العظمى من الشعب ولعل من أهم هذه القيم التي لا بد ان تقوم عليها ثقافتنا السياسية هي قيم: العدل ، والانسان ، والنظام ، والوقت .
(ج) الرموز وهي المكون الأساسي من أسس الثقافة السياسية .


من كل هذا فلا بد أن نعي بأن الثقافة السياسية السليمة سوف تلعب دورا هاما في حفظ المجتمع ووحد ته وذلك لأن المعتقدات والقيم والرموز المشتركة هي التي ستشجع الناس مع بعضهم البعض ، وستنفعهم علي مناصرة وتأييد الحكومة والنظام السياسي في البلا د .... وهي التي ستشكل مجموع التصورات والمعتقدات التي لذي المواطنين حول الحكومة والعمليات والنشاطات السياسية عموما .... وهي التي تمكن الحكام من السيطرة علي الجماهير وتعبئتهم من أجل تحقيق الأهداف المنشودة .

 

ثالثا: ما هي أنواع الثقافات السياسية :

لقد جاء أهتمام علماء السياسية بالثقافة ودورها في الشؤن السياسة اهتماما متأخرا. ولعل من أهم الدراسات العلمية في هذا الشأن الدراسة التي قام بها الدكتوران - قابرل آلموند و سدني فرباء والتي أستمرت عامي (1960 - 1959 ) ولقد ثم نشر هذه الدراسة عام (1963 ) في كتاب بعنوان:


"الثقافة المدنية" لقد شملت هذ ه الدراسة خمس دول هي : الولايات الميحد ة ، بريطانيا، المانيا ، ايطاليا، والمكسيك) وكان الغرض من هذه الدراسة هو تحديد نوع الثقافة السياسية في هذه الدول و تحديد نوع الثقافة التي يمكن ان تنمو وتستمر في المناخ الديمقراطي الليبرالى
3 . لقد كان نتيجة هذ ه الدراسة اكتشاف ثلاث أنواع رئيسية من الثقافات السياسية في هذه الدول أطلقوا عليها :

1- الثقافة السياسية الخاضعة

وفي هذه الثقافة لا يرى المواطنون أنفسهم شركاء في النظام ولا اتخاذ القرار ولكن مرؤوسون وخاضعون للسلطة ، وما هم إلا مجرد رعايا... وفي هذه الثقافة يكون المواطن مدرك لكل ما تقوم به الدولة ولكنه لا يشارك في العملية السياسية وهي ثقافة يكون فيها المواطن خاضع وتابع لما تمليه عليه الفئة الحاكمة في الدولة.

2- الثقافة الضيقة ( أو المحدودة)

في هذه الثقافة يكون المواطن لا يدري علي ما تقوم به الدولة و لا يشارك في أي من أعمالها. وهي الثقافة التي تقوم علي ضيق الافق. وفي هذه الثقافة لا يعرف المواطن دوره في الدولة والسلطة الا القليل ويجهل الكثير من الشؤون السياسية.

3 - ثقافة المشاركة
أن المواطن في هذه الثقافة يملك التوجيهات والسلوكيات النفسية التي تشجعه علي المشاركة في الشؤن السياسية . هذ ه الثقافة تفترض ان المواطن متعلم سياسيا وإحساسه ايجابي نحو النظام السياسي الذي يعيش فيه وهي ثقافة فاعلة ومؤثرة وهذا يعني ان المواطن يشارك في العملية السياسية ومتاثراً بها.

 

رابعا: أهم الثقافات السائدة بين الليبيين


بالطبع هناك تصفيات أخرى لأنواع الثقافات السياسية السائدة في كثير من الدول .... ولكن السؤال المهم لنا نحن الليبيون -- اليوم هو: ما هي الثقافة السياسية السائدة اليوم ؟ في تصورى أن هناك ثقافتان سياسيتان تسود تفكير الليبيين اليوم وهما:
1- ثقافة المعاناة...
2- ثقافة الانتظار...

 

(1) ثقافة المعاناة -- هي التي يكون فيها المواطنون خاضعون لسيطرة النظام الحاكم دون رضاهم وفي هذ ه الثقافة يسود تفكير المواطنين الخوف والارهاب من جبروت النظام أما الاخوة والاخوات الذين لا يخافون النظام ويتحدونه فسيكون مصيرهم السجن وبالتالي سيكون نتاج تفكيرهم -- تفكير السجناء وأما الذين ينجون من السجن فسوف يغلب علي تفكيرهم الانغلاقية - النخبوية - وستحوط نشاطاتهم السرية والابتعاد عن الاعمال الشعبية والجماهيرية ..... ورغم كل المعاناة التي يمر بها المواطنون الا أنهم لا يستطيعون التعبير علي هذه المعاناة حتي لأقرب أقاربهم في بعض الاحيان . ويسود في هذه الثقافة فكرة " الفردية المفرطة " بمعني الفردية التي لا تهتم بشىء الا نفسها . و من الشعارات السائدة في هذه الثقافة شعار:" أخطي رأسي وقص" وشعار: " الباب اللي يجيبلك الريح سدة واستريح" وشعار: "اللي خاف سلم" ولعلني لست في حاجة الي شرح هذة الشعا را ت، الا أنه لا يفوتني الي ان أشير- من باب التذكير فقط - الي أحد الدروس المستفادة منها الا وهو: ان هذه الشعارات تعنى أن الإنسان الليبي - في داخل الوطن - انسان سا د عليه عامل الخوف وأنه يتعامل مع نظام فتاك أرهابي لا يحترم الانسان ولا يعطي له قيمة... وعليه فان أسلم وسيلة للتعامل مع هذ ا الدكتاتور هو تركه يفعل ما يريد .. وشعار كل شخص هو " أي شيء -- و أقول أي شىء -- لا يتعلق بي شخصيا فهو مباح وجائز والمهم أن النظام لا يتعرض لي شخصيا!!!"

وعلي كل فرد أن يسد كل السبل ويقفل كل الابواب لعله يستريح . ولعل من أهم صفات هذه الثقافة هو الفردية ، والانعزا لية ، والخوف ، وانتشار المعا ناة بين كل أفراد الشعب ... ولعل المثال التالي يوضح كيفية التفكير وبعد المأساة في هذ ه الثقافة في أحد ث الطلبة عام 1976 - في جامعة قاريونس- كان صاحبي في السنة الرابعة كلية التجارة . وبعد ان تم القبض علي مجموعة من الطلبة قرر صاحبي وأصدقاؤه أن يرجعوا الي مدينة مصراتة وفي اليوم التالي من وصولهم أتهم جارا لهم وأخذ ينصحهم ويقول: يا أبنائي... ان الكف ما يعند ش المشنقة ... وأ نتم لا تزالوا شبابا صغيرا ولا تعرفوا مصلحتكم لا بد أن تعملوا ما تأمركم به السلطة ... وعندما رفضوا ذلك ذهب أباء الشباب الي جارهم النقيب (عمران الدعيكي) - الذي أعد مه نظام القذافي بتهمة أنه كان علي علم بما عرف " بحركة المحيشي" ولم يعلم – السلطة بذلك- ا دعوا الله أن يتقبله قبولا حسن وا ن يجعله من الشهداء لأ نه مات مظلوما.- فأتهم النقيب وأعطاءهم خيارين :

اما أن يسلموا أنفسهم الي الثكنة العسكرية في مصراتة خلا ل أربع وعشرين ساعة . وأما ان " الشرطة العسكرية " - كما قال - سيأتون ويأخذوكم الي طرابلس . فخاف أهلهم واجبرهم علي تسليم أنفسهم الي " الثكنة العسكرية " والتي قضوا فيها أسبوعين ثم أطلقوهم .

والدرس من هذه القصة البسيظة هو أن الانطباع لذي الناس بأن السلطة قوية جدا وموجهتها من المستحيل وأنه من الحكمة والعقل الا نواجهها وأن نستجيب لأوامرها مها كانت هذه الأوامر .

(2) - ثقافة الانتطار----
ونعني بثقافة الانتظار هي ان الأفراد الذين يعيشون في هذه الثقافة يسود علي تفكيرهم الانتظار في يوم الخلاص من أجل الرجوع إلي أرض الوطن أو من اجل الحصول علي ما يسعون اليه . وهذه هي الثقافة السائد ة بين الليبيين في المهجر . فالغالبية العظمى من الليبيين في المهجر - ولا اقول كلهم - يعيشون حالة انتظار يوم الخلاص . فكل أحاديثهم وكتاباتهم وتفكيرهم يدور في حلقة واحدة هي " ما فعل النظام .. وماذا يجب ان يفعل الشعب ؟ فما أن يلتقى ليبيان - علي سبيل المثال - حتى يسأل أحدهم الآخر: ما هي آخر الأخبار؟ وكأن الامر لا يهمهما ... بدلا من أن يسألوا أنفسهم ماذا فعلنا لليبيا اليوم ؟ وماذا يمكننا القيام به ؟ حتي أن بعضنا قد أصيب بما يمكن ان نسميه بحالة: ( الاسهال الفكري ) بمعني ان البعض من آخواننا قد كتب الكثير ولكنهم قالوا القليل وبمعتى ا ن البعض من أخواننا قد انشغلوا بالكتابة حتي نسوا لماذا يكتبون و من جهة أخرى فاننا اذا تناقشنا فاننا لا نناقش ولكننا نمارس الخطابة و لأ نستمع لبعضنا البعض.


وفي أحد المناسبات سمعت أخ فاضل يقول " أنا سأبقى بره حتي تتخلص ليبيا من القذافي وأولاده... وباختصار هذه الثقافة هي ثقافة "اتكالية" بمعنى أن أصحاب هذه الثقافة في الغالب ولا أقول الكل- هم أناس يعتمدون علي الغير في تحقيق أهدافهم ، وعندما لا تتحقق أهدافهم تجدهم ينتقد ون كل شخص آخر الا أنفسهم ...

 

ختاما-- نقول أن الثقافة هي كل المعتقد ات والقيم والرموز التي يشترك فيها مجموعة من الناس في منطقة معينة.. وهي نتاج الادراكات والتصورات وقواعد المنطق وأساليب البحث لهذه المجموعة وضرورة أساسية لفهم أي جماعة . فلا يمكن أن نفهم المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية- الفهم الصحيح - الا اذ ا فمهنا المحيط أو الثقافة التي ولدت فيها . ومن جهة أخرى فأنه لا تستطيع أي دولة ولا أي شعب ولا أي نظام سياسي النجاح والاستمرار والبقاء الا اذ ا اشترك كل ومواطنة في القيم الأساسية في المجتمع ..... وعليه - وباختصار شديد- يمكن القول بان أهم صفات ثقافتنا --- ثقافة المعاناة في ليبيا--- الأتي:

 

(أ) - الخوف المفرط والمزوج-- بين الشعب والنظام- فالشعب خائف من النظام ويشك في أي عمل يقوم به. والنظام - من جهة آخرى- ينطلق في تعامله من منطلق الخوف وانعدام الثقة في أي مواطن مهما كان صا د قا . وهذ ا الخوف المتبادل يقود في العادة إلى استقرار الوضع واستمراره - في كثير من الأحيان - لفترة طويلة كما هو الوضع في ليبيا الآن.

 

(ب) - تقود ثقافة المعاناة - في العادة- علي ترسيخ الاتجاهات الفرد ية في التفكير والتصرفات الانانية في العمل لذى أغلبية أفراد الشعب وخصوصا في تحقيق أهدا فهم ومصالحهم.

 

(ج) - هذا النوع من الثقافة يقود - في العادة - الي تشجيع ظاهرة الانعزال شبه الكامل - الا في حالات الضرورة - من النشاطات السياسية وترك الساحة السياسية بالكامل لعناصر النظام وأنصاره.


(د) - هذا النوع من الثقافة يشجع علي انعدام الثقة بين افرا د الشعب وازدياد الشك في بعضهم البعض. وهذا بدوره يقود الي ازدياد اللامبالة بما يدور حول المواطنين مهم كان. فعل سبيل المثال - لا الحصر- عندما قام نظام القذافي بشنق مجموعة من خيرة شباب ليبيا عام 1984 - وفي شهر رمضان المبارك قام النظام باجبار جماهير الشعب - في بعض المد ن - للخروج في الساحات العامة لمشاهد ة الحد ث ، و خرجت الجماهير وكأن الامر لا يهمها.

 

من كل هذا يمكن القول بأن ما نريده - وما يجب ان نسعى جميعا اليه - هو السعى الجاد نحو إيجاد ثقافة سياسية جديدة تنطلق من معتقداتنا وقيمنا وتقوم علي الثقة بالنفس وتسعى لتحقيق العد ل عن طريق التعاون علي فعل الخير والمشاركة الفاعلة والبناء ة في تطور وطننا وتقد مه ..... ولعل من أهم القيم الثقافية التي يجب ترسيخها ونشرها بين أبناء الشعب هي قيم: الحق ، والعد ل، والوحدة، الاختيار، والمشاركة في شئون الدولة.

ولكى يتحقق ذلك لعله من المناسب التأكيد علي النقاط التالية:

 

(1)- لا بد من ايجاد ثقافة سياسية يملك فيها المواطن التوجيهات والسلوكيات النفسية التي تشجعه علي المشاركة في شئون الدولة، مؤثرا ومتأثرا بالعملية السياسية في بلاده. المواطن الذي يسأل نفسه قبل ان يسأل الغير علي ما يجب القيام به ، المواطن الذي يبادر بالقيام بواجبه الوطني دون خوف ولا تردد.

 

(2)- نريد ثقافة سياسة ترفض الظلم بكل انواعه وتربي في الناس حب محاربته بكل ما يملكون من قوة . ثقافة تدفع بالانسان للشاركة أولا ثم دعوة الآخرين بذلك .

(3)- نريد ثقافة منفتحة علي الغير ، تأخذ منهم أحسن ما عندهم، وفي نفس الوقت معتز بأحسن ما عندنا .....

(4 )- نريد ثقافة تكرم الانسان كانسان ... الانسان الذي يقوم بدوره في الدولة كاملا ...
الإنسان المتعلم ولديه احساسا ايجابي نحو النظام السياسي الذي يعيش فيه...

( 5 )- نريد ثقافة تشجع علي التعاون .. والتناصر .. وحب عمل الخير ، وترسيخ قيم " الاعتماد
علي النفس" ،" والتسامح مع الغير" ، " والاعتصام بالحق" ، " والعمل بما نستطيع."

(6 )- وأخيرا نريد ثقافة تشجع العلم والمنهجية في التفكير.... وتحمي الرآي ، وتحترم الرآي الآخر ...، ثقافة أساسها الاحترام .... وركيزتها القوة ... وهدفها العدل.

هذ ا بعضا مما نريد... والي الامام.. والله المستعان...

 

د. محمد بالروين
berween@hotmail.com

 


1) لمعرفة مكانة الانسان في الاسلام يمكنك الرجوع الي مقالنا (با للغة الأ نجليز ية) بعنو ا ن: "نحو فهم الأ نسا ن: من منظنور إسلامي. الرابط: http://www.libyaforum.org/english/index.php?option=content&task=view&id=490&Itemid=86

 
2) لمزيد من التفاصيل أنظر: CIA: The World Fact book

 

3)Comparative Politics: Nations and Theory in Changing World. 3/e. By: L. C. Mayer, et al.
N.Y.: Prentice- Hall Publishers (2000). P. 59

 


 

مقالات صفحة الإنقاذ تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي صفحة الإنقاذ أو الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا

الرجوع إلى مقالات صفحة الإنقاذ

الصفحة الرئيسية

مقالات

البيانات والتصريحات

أخبار وتعليقات

مجلة الإنقاذ

إصدارات الجبهة

المكتبة الصوتية

صوت الشعب الليبي

أخبار إجتماعية

كاريكاتير

بريد الإنقاذ

أرشيف

للإتصال بنا

البحث

 

 

ليبيا.. بين الماضي والحاضر

تأليف: د. محمد المقريف

مأساة ليبيا..

ومسئولية القذافي

8 حلقات

د. محمد يوسف المقريف

 

المشروع الحضاري

 

 ©2005 - حقوق الطبع محفوظة - صفحة الإنقاذ - الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا

 

Back To Libya-NFSL.org

info@Libya-NFSL.org

إلى الصفحة الرئيسية